أبو نصر الفارابي

17

الجمع بين رأيي الحكيمين

الداخلي والخطر الخارجي ، فهم عمادها وإليهم يجب ان توجه العناية بنوع خاص . لأجل تخريج الحراس يجب ان نميز من بين الاحداث ، ذكورا وإناثا ، أصحاب الاستعداد الحربي ، فنفصلهم طائفة مستقلة ونتعهدهم بالتربية ، ولو أن المرأة أضعف من الرجل الّا انها قد تصلح لجميع ما اختص به نفسه من اعمال ، كالطب والموسيقى والعلم والفلسفة والرياضة والحرب ؛ فليس ما يمنع من تكليف النساء الحراسة متى ساوين الرجال في الكفاءة لها . والأصل في الوظيفة انها تقلد للكفء دون اي اعتبار آخر . ونحن سنربي الحراس على الفضيلة ، فيكون للنساء الحارسات من فضيلتهن سياج متين . نأخذ الحراس اذن بتربية واحدة إلى الثامنة عشرة ، فنرتب لهم رياضات بدنية تقوي أجسامهم ، ونغذي نفوسهم بالآداب والفنون ، نبدأ بتلقينهم القصص الجدية البريئة الحاثة على الخير ، ولا نعلمهم قصص هوميروس وهزيود ومن نحا نحوهم من الشعراء ، فقد سمعت عقول اليونان وأفسدت ضمائرهم بما ترويه عن الآلهة والابطال من قبيح الافعال ، بل ننفي من المدينة كل شاعر لا يرعى حرمة الحق والفضيلة ، وننفي سائر الفنانين ممن يستخدمون فنهم لإثارة أفكار شريرة وعواطف رديئة ، ولا نستبقي غير الفنانين الفضلاء . وعند الثامنة عشرة يكفّ الحراس عن الدرس ويزاولون التمرينات العسكرية ، فإذا ما بلغوا العشرين فصل الاجدرون منهم طائفة على حدة ، يعكفون على دراسة الحساب والهندسة والفلك والموسيقى ، وهي علوم تستخدم معاني مجردة وتعتمد على البرهان ، فتصقل العقل وتنبه الروح الفلسفي ، ويقضون في ذلك عشر سنين . فإذا ما بلغوا الثلاثين يميز من بينهم أهل الكفاية الفلسفية الذين يتوفر فيهم شرف النفس ومحبة الحق وضعف الشهوة وسهولة الحفظ ، فيقضون خمس سنين في دراسة الفلسفة والمران على المناهج العلمية ليجيدوا فهم الحقيقة والدفاع عنها . وعند الخامسة والثلاثين يعهد إلى هؤلاء الفلاسفة بالوظائف الحربية والإدارية إلى سن الخمسين ، فالذين يمتازون في العمل كما قد امتازوا في النظر يرقون إلى مرتبة الحكام ويدعون الحراس الكاملين . بامثالهم تصلح حال المدينة لان الفيلسوف وحده يعلم الخير ويريده إرادة صادقة ، هو وحده يستطيع ان يتصور القوانين العادلة تصورا علميا وان يلقنها للآخرين بأصولها وبراهينها فتدوم في المدينة . وعلى ذلك فالفلسفة هي الوسيلة الوحيدة لوضع سياسة محكمة مستديمة . هذا البرنامج الطويل وما يتضمنه من تكاليف عديدة لا يدع للحراس سبيلا لتحصيل معاشهم ، لذلك يعيشون معا على نفقة الدولة ، ويحظر عليهم اقتناء الذهب والفضة ، سواء كان نقودا أم آنية أم حليا ، ما داموا في غير حاجة اليه ؛ فتزول من نفوسهم شهوات الحياة العامة وشواغلها . كذلك تنتزع من نفوسهم عواطف الأسرة